
كيف تتقاطع كتابة القصص مع كتابة الإعلانات؟
في عالم الكتابة، حيث تحكم الكلمات، تتنوع الأساليب وتتعدد الأشكال، وبينما تبدو أنواع الكتابة مختلفة في ظاهرها، إلا أنه يجمعها جوهر مشترك في عمقها. على السطح، قد يظهر لنا أن كتابة القصص مختلفة تمامًا عن كتابة الإعلانات، سواء من حيث اللغة المستخدمة، القيود والشروط، مقاييس النجاح، أو حتى المهارات المطلوبة. ورغم أن هذه الاختلافات واقعية وصحيحة، فإن إلقاء نظرة أعمق يكشف لنا أنه، على الرغم من وجود خطوط لا تلتقي، هناك أيضًا نقاط تقاطع كثيرة.


في عالم الكتابة، حيث تحكم الكلمات، تتنوع الأساليب وتتعدد الأشكال، وبينما تبدو أنواع الكتابة مختلفة في ظاهرها، إلا أنه يجمعها جوهر مشترك في عمقها.
على السطح، قد يظهر لنا أن كتابة القصص مختلفة تمامًا عن كتابة الإعلانات، سواء من حيث اللغة المستخدمة، القيود والشروط، مقاييس النجاح، أو حتى المهارات المطلوبة. ورغم أن هذه الاختلافات واقعية وصحيحة، فإن إلقاء نظرة أعمق يكشف لنا أنه، على الرغم من وجود خطوط لا تلتقي، هناك أيضًا نقاط تقاطع كثيرة.
العُود من أول ركزة
تلعب الفقرة المفتاحية دورًا حاسمًا في تحديد مصير الكتاب، فإما أن يخرج للنور ويجذب القارئ، أو يبقى حبيسًا في صندوق الوارد لدى وكيل أدبي أو دار نشر. هي التي تحدد ما إذا كان القارئ سيشتري الكتاب ويكمل القصة، أو سيتجه إلى خيار آخر. في هذه الفقرة، يثبّت الكاتب قدمه ويعرض أبرز موضوعاته، مع وضع الإيقاع لبقية القصة، محاولًا اختزال أكبر قدر ممكن من سحر قصته في أقل عدد ممكن من الكلمات.
ولا يمكننا التطرق للفقرة المفتاحية بدون أن نذكر أحد أبرز الأمثلة في التاريخ، وهي بداية رواية "قصة مدينتين" أو "A Tale of Two Cities" لتشارلز ديكنز. بدأ ديكنز روايته بهذه الجملة الشهيرة التي أصبحت أيقونة أدبية: "كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان، كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة، كان عهد الإيمان، وكان عهد الشك، كان زمن النور، وكان زمن الظلمة، كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط، كنا نملك كل شيء، ولم يكن لدينا شيء."
استخدم ديكنز هذه التناقضات لضبط الإيقاع، وتقديم المواضيع، ومحاكاة العنوان، فخلق مقدمة قوية لعبت دورًا محوريًا في جعل "قصة مدينتين" واحدة من أكثر الكتب مبيعًا على الإطلاق.
في الجهة الأخرى، يعتكف كاتب الإعلانات على صياغة طُعم يجذب انتباه عامة الناس ويعلق في ذاكرتهم، مُدركًا أن تحقيق الأهداف المرجوة من نصوصه مرهون بالتأثير الذي ستحدثه الكلمات القليلة الأولى التي سيكتبها؛ فإذا لم يتمكن من جذب انتباه المتلقي منذ اللحظات الأولى، سيكون من الصعب جدًا أن يفعله لاحقًا.
السرد القصصي، المفتاح الضائع
لا أحد يجهل الدور الذي يلعبه السرد في القصص، فهو حجر الأساس الذي يُبنى عليه النص، والمُحرك الذي يأخذ القصة إلى وجهتها. فلا قصة بدون سرد، ولا سرد بدون قصة. أما في كتابة الإعلانات، فقد لا يكون الأمر بالوضوح ذاته، وقد يخفى على بعضنا أهمية السرد القصصي والقيمة التي يضيفها.
ولأن التجربة هي خير برهان، سأستخدم تجربة "Significant Objects Project" كدليل عملي على قوة السرد القصصي في كتابة الإعلانات. في عام 2009، أراد الصحفيان روب ووكر وجوشوا قلين اختبار قوة السرد القصصي، محاولين تحقيق ذلك بشراء سلع بسيطة ورخيصة من متاجر التوفير، مثل كوب عادي أو لعبة بلاستيكية. ثم طلبا من كُتّاب محترفين كتابة قصص قصيرة عن كل قطعة، مما أضفى عليها قيمة عاطفية وشخصية. على سبيل المثال، أصبحت اللعبة البلاستيكية ذكرى لطفولة مليئة بالمغامرات، وتحول الكوب إلى رمز لكفاح كاتب لم يستطع أن ينشر روايته الأولى. بعد ذلك، عرضا هذه السلع مع القصص على موقع eBay.
ما حصل بعد ذلك كان مفاجأة سعيدة؛ فالسلع التي اشترياها بتكلفة لا تتجاوز الـ 130$، تمكنا من بيعها بأكثر من 3600$. والسبب كان القصص التي أضافت قيمة عاطفية لأشياء بسيطة وجعلت المشتري يشعر بالارتباط الشخصي بها ويرى فيها معاني جديدة ومؤثرة.
لا مجال، إلا بالخيال
الخيال هو الشرارة الأولى خلف كل قصة عظيمة. الكاتب الناجح قادر على أن يأخذ بذرة صغيرة ويحوّلها إلى حديقة بديعة؛ فالمشاهد العابرة، والأماكن الاعتيادية، والتفاصيل المألوفة تتحول في مخيلته إلى عوالم شاسعة.
جورج أورويل مثلًا، كتب شهيرته "مزرعة الحيوانات" بعد أن شاهد صبيًا صغيرًا يقود حصانًا كبيرًا، فأخذت مخيلته هذا المشهد البسيط وصنعت منه كلاسيكية أدبية تناقش السلطة، الثورة، والخيانة.
وفي عالم الإعلانات كذلك، كل فكرة إعلان ناجحة كان خلفها خيال واسع. يقول ليو بورنيت: "الناس يحبون الإعلانات التي تُضحكهم أو تجعلهم يفكرون." وكلا هاتين الصفتين تتطلب قدرًا لا بأس به من التفكير الإبداعي. وفي عالم تكاد كثرة الإعلانات أن تخنقنا، أصبحت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى للابتكار بهدف جذب انتباه جيل يعاني من ضعف تركيز مزمن ويغرق في بحر من المشتتات.
بالإضافة إلى ما سبق، لا بد من التأكيد أن الخيال عامل مهم في التعامل مع المُتلقي. حتى يحدد الكاتب الطريق الأفضل للوصول إلى ذهن فئته المستهدفة والبقاء هناك، عليه أن يتخيلها بكافة تفاصيل حياتها ويجسدها في مخيلته تجسيدًا كاملًا. بل، عليه أن يذهب أبعد من ذلك، فيفكر مثلما يفكرون، ويحاول أن يرى العالم بأعينهم، ومن ثم يقيس على خياله ما إذا كان ما سيكتبه قادرًا على تحقيق ردة الفعل المرجوة.
وبالحديث عن المُتلقي، ننتقل إلى نقطة التقاطع التالية.
المُتلقي هو البوصلة
يضع كل من كاتب القصص وكاتب الإعلانات المُتلقي نصب عينيه. فكاتب القصص ينسج قصته بالطريقة التي يرجو فيها أن يؤثر على مشاعر القارئ بالشكل المأمول، ويبني شخصياته بالتفاصيل المطلوبة لاستجلاب عاطفة القُراء وخلق اتصال شخصي معهم. إنّه يضع القارئ في قلب الأحداث، مستحضرًا له مشاعر من العاطفة، التأمل، أو التوتر، حسب ما تقتضي القصة.
وكاتب الإعلانات كذلك يكتب بغية أن يدفع المُتلقي إلى القيام بفعل ما، فيتخيل الحياة اليومية لجمهوره المستهدف ويفكر في المواضع التي بإمكانه الوصول لهم من خلالها، ثم يحدد اللغة والأسلوب الذي يعتقد أنهم سيتجاوبون معه. ويكتب مع الأخذ بعين الاعتبار ما ينفذ إلى مشاعرهم ويحركها. إنّه يعتمد على قدرة الكلمات على التوجيه والتأثير، حيث يأخذ كل كلمة لتصبح أداة تحفز القارئ على التفاعل.
إذًا، فإن كلا الطرفين يعتمد نجاح نصّه من عدمه على مدى صحة فهمهم للمُتلقي وقدرتهم على التأثير في مشاعره. هذه القدرة على فهم وتقدير المتلقي هي ما يجعل النصوص تلامس قلوب الجمهور وتؤثر في قراراتهم. كما أنه من الصعب على الطرفين أن يعملوا بمعزل عن جمهورهم وبدون التفكير في ثقل كل كلمة والأثر الذي ستحدثه. كتابة القصص وكتابة الإعلانات لا تنشأ بمعزل عن العوامل الخارجية، أو كما يقول المثل الإنجليزي: "Nothing happens in a vacuum." إذًا، ففي عالم القصص وعالم الإعلانات، المُتلقي هو نقطة الانطلاق، وهو خط النهاية.
المختصر المفيد
تتجلى الصورة النهائية لتؤكد أنه بينما قد يبدو للوهلة الأولى أن كتابة القصص تختلف عن كتابة الإعلانات، إلا أن ما تحت السطح يروي حكاية أخرى. تشمل قائمة التشابه النقاط التي ذُكرت أعلاه، ولا تقتصر عليها. فما يجمع بين النوعين ليس فقط التأثير على المُتلقي، ولكن الطريقة التي يتم بها ذلك: ضع المُتلقي نصب عينيك، اجذب انتباهه من اللحظات الأولى بطرق مبتكرة، وحرك مشاعره لتحقيق أهدافك.
وعلى غرار الأنهار التي قد تفصل بينها مئات الآلاف من الكيلومترات، لكنها تصب في النهاية في بحر واحد، فإن أنواع الكتابة، سواء كانت قصصًا أو إعلانات، قد تختلف في الشكل والمضمون، لكنها جميعًا تتفرع من الأصل ذاته؛ كأغصان الشجرة التي تختلف في الطول، لكنها في النهاية تحمل الثمرة نفسها.